Maroc Info actualité

20 / 08 / 2008
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية
البوليس ما تيجيش حتى يكون الدم PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ خالدالعطاوي   
24/04/2006

مازالت جسور الثقة بين المواطنين ورجال الأمن تفتقد إلى بوصلة التعاون. فمقولة «الشرطة في خدمة الشعب» و «الأمن للجميع» تصطدم بحكايات المواطنين مع التماطل الإداري وغياب الأمن والرشوة. فهل تتمكن السياسة الأمنية من فك عقدة نظرة المجتمع لفئة تحرص على أمنه؟

«راه البوليس ما تيجيش حتى يكون الدم..»، عبارة يرددها عدد من المواطنين في تحديد علاقتهم برجال الأمن. ف"الدم" هو الحد الفاصل في هذه العلاقة، وعبارة «الأمن في خدمة الشعب» مجرد يافطة للاستهلاك الخارجي. أمثلة كثيرة عن علاقة رجال الأمن بالمواطنين تتراوح الأحكام حولها بين السخط والتفهم، ف «رجال الأمن هم بدورهم مواطنون داخل المجتمع، ومسؤولية الإخلال بواجبهم يتحملها المسؤولون الأمنيون الكبار..»، خلاصة توصل إليه عبد الحق أستاذ بالحي الحسني بالدارالبيضاء بعد سنوات من الإحتكاك المباشر برجال الأمن. يردد عبد الحق أن هذه العلاقة تغيرت بدرجة كبيرة ، ففي وقت سابق - يقول عبد الحق- كنا نرتعش من رؤية رجال الأمن، وأحيانا يتم اقتيادنا إلى مركز الشرطة لأتفه الأسباب، والإحتجاج على هذه التجاوزات هو ضرب من الخيال أما الآن فالقانون يٌحترم بنسبة كبيرة باستثناء بعض الممارسات التي تحن إلى العهد القديم.

يتذكر عبد الحق أن قراره بالإنخراط في حزب وطني شكل له منعطفا كبيرا، فقد كان يساق إلى المخافر الأمنية لمجرد أنه صمم على ولوج مقر الحزب ناهيك عن المضايقات في العمل والتحرشات بالأسرة. فكانت النظرة نحو هذه الفئة تُركز على الشطط في استعمال السلطة وانتهاك حرمة الأشخاص بشكل متعمد، وحين يفقد عبد الحق شريط ذكرياته يعترف بأنه في الوقت الحاضر له أصدقاء أوفياء من رجال الأمن، وهو ما لم يكن ليجهر به سابقا، وعلمته التجربة والإحتكاك بهذه الفئة أن «رجال الأمن الصغار هم موظفون ينفذون فقط أوامر الكبار، و قلما يتمردون على أوضاعهم المأساوية».

هل تغيرت علاقة رجال الأمن بالمواطنين؟ سؤال يعيده صوت الصدى أكثر قوة، فالعلاقة - حسب خالد إطار بنكي بمدينة الدارالبيضاء- تختلف كثيرا من حالة لأخرى، وفي العالم القروي مازالت بصمات العهد القديم تسم تصرفات رجال الأمن، فهناك الرعب والخوف من رجل الأمن لا يضاهيه إلا الخوف من السجن. لا تقتصر وظيفة تقوية المؤسسة الأمنية على إعادة إنتاج ممارسات العهد القديم التي عرفها المغرب، إذ من المفروض- حسب خالد- أن تتجه من أجل بناء جسور الثقة والتعاون لتجسيد مقولة «الشرطة في خدمة الشعب» ، و « الأمن للجميع»، وهو ما يتطلب شروطا لمكافحة إجرام اليوم ليس بالضرورة هو إجرام البارحة.

في بعض الحالات تكاد تختفي أجواء الثقة والتعاون بين الطرفين، ويسود الإتهام المتبادل بينهما، والأمثلة كثيرة ومتعددة تختلف حدتها، إلا أن الشطط والرشوة وخرق القانون تبقى المشجب الذي يعلق عليه الجميع أخطاءهم. ساحة ماريشال بالدارالبيضاء نموذج عن العلاقة اليومية بين رجال الأمن و فئة من المواطنين ، وتبدو كل يوم أشبه بمكبر للصورة يحدد العلاقة الدقيقة للطرفين وحدود التماس بينهما ، فيوميا تشهد الساحة عمليات الكر و الفر للسائقين خوفا من سحب الرخص. منع والي مدينة الدارالبيسضاء السابق إدريس بنهيمة سيارات الأجرة من الحجم الكبير من الوقوف بساحة ماريشال، بدعوى أنها تسيء لجمالية الساحة وتٌساهم في التلوث، ومنذ ذلك الحين وسائقو سيارات الأجرة يواصلون تحديهم لقرار الوالي السابق بالإبقاء على المحطة السابقة وهو ما يعني الاحتكاك المباشر برجال الأمن.

«سائقو التاكسيات هم مالكو أسرار رجال الأمن بالدارالبيضاء». هكذا ردد سائق للتاكسي، وهو يتجنب "الكورتي" بساحة مارشال مضيفا: «لا أخاف من الكورتي أو من بعض رجال الأمن، فعشرين أو حتى 50 درهما كافية للتغاضي عن خرقي للقانون ولكني أخشى من أحد الضباط.». لايخفي سائق التاكسي أن هذا الضابط هو غصة في حلق كل المخالفين لقانون السير: «فهو يرفض الرشوة»، و لإسداء النصيحة لكل السائقين يشرع في وصف دقيق له: «فهو شاب يحرص على أناقة بذلته.. والويل ثم الويل لمن ضبطه في ساحة ماريشال حينها لن تنفعه التوسلات أوالمبالغ المالية كرشوة حتى وإن وصلت إلى 500 درهم». يسهب سائقو التاكسيات في تعداد قصصهم مع رجال الأمن المكلفين بالسير، فهم بالنسبة لهم شبح يهدد المخالفين لقانون السير إلا أن الرشوة وأحيانا التغاضي عن خرق القانون هما لقاحان ضد تطبيق القانون. مصطفى هو الآخر له حكايات مع رجال الأمن، ويتذكر جيدا اليوم الذي قادته رجلاه إلى إحدى دوائر الشرطة بمدينة الدارالبيضاء من أجل تقديم الوثائق لإنجاز بطاقة التعريف الوطنية: «وجدت شرطيا بلباس مدني مقطب الحاجبين.. ضخم الجثة.. يثير منظره الرعب وهو بين أكوام الوثائق المصطفة على مكتبه..» ، هكذا يصف مصطفى الجو السائد داخل الدائرة الأمنية.

جلس مصطفى ينتظر دوره في صف طويل من أجل ولوج المكتب قبل أن يكتشف "عنصرية" الموظف الأمني: « كان الصف طويلا أغلبهم من الشيوخ والشباب، وفي كل مرة كان يحين دور أحدهم كانت ملامح الغضب تعلو وجه رجل الأمن كأنه يحاول ثنيه عن العودة مجددا إلى الدائرة الأمنية، ومع ارتفاع عدد المنتظرين ازداد غيض رجل الأمن، وهو ينجز الوثائق بعصبية واضحة». تقدمت فتاة في حوالي العشرين من عمرها إلى المكتب نفسه، فتلقفتها أعين رجل الأمن بسرعة، ثم تخلص من شاب، ودون أن يستأذن من المنتظرين رحب بالفتاة دون سابق معرفة بينهما، وهنا بدأ باقي المنتظرين يتأففون من هذا التمييز رغم طول انتظارهم. مكث المواطنون- كما يحكي مصطفى- ينتظرون دورهم من أجل ولوج المكتب أمام عجزهم عن الإحتجاج، وطال انتظارهم...

فالموظف الذي طالما استشاط غضبا من همسات المواطنين تحول إلى بهلواني، وهو يهمس للفتاة بنكت ساخرة، ويتمادى في تأجيل إنجاز الوثائق بل نهر أحد الشبان حين مل هذا الأخير من الانتظار الطويل، وتجرأ حين طل برأسه إلى داخل المكتب. جمع مصطفى وثائقه، وقرر الإنسحاب بهدوء من الدائرة الأمنية مفضلا الإنتظار ليوم موالي على معاينة "تمييز" من نوع خاص جدا دون أن يتدخل المسؤولون عن الدائرة الأمنية لوقف الإستهتار بالمواطنين. حكايات المواطنين مع رجال الأمن لا حدود لها فعبارة: «البوليس ما تيجيش إلا ما كان الدم» لازالت تطغى على كل تدخلات رجال الأمن، ويستدل عبد الرحمان (موظف جماعي) أن "حروبا" تشتعل كل يوم بالحي الذي يقطن فيه إلا أن رجال الأمن آخر من يحضر إلى المسرح. يتفكه عبد الرحمان على عدم تدخل رجال الأمن في الوقت المحدد، وهو يشير إلى أنه في أحد الأيام هاجم شبان مخمورون حيا بأكمله محملين بأسلحة بيضاء، وهم يتوعدون كل من يقترب منهم بالقتل، ورغم الإتصالات المتكررة برجال الأمن من طرف السكان الخائفين على أرواحهم فإن رجال الأمن لم يحضروا إلا بعد انصراف المعتدين. رجال الأمن بدورهم يعللون تأخر وصولهم بقلة العنصر البشري، و ضعف التجهيزات وهو ما يجعلهم في أحيان كثيرة عاجزين عن التدخل المباشر في الوقت المناسب ناهيك عن الإنهاك الذي يطالهم نتيجة عمل متواصل أحيانا إلى 20 ساعة من أصل 24 ساعة. أجواء الثقة والتعاون بين المواطنين ورجال الأمن هدف من أجل تحقيق الأمن، فلا مجتمع بدون أمن يُشعره بالأمن على حياته و مستقبله.

الاحدات المغربية

 
< السابق   التالى >